الجمعة، 29 نوفمبر 2013

إضاءات سياسية وقانونية على طريق الدولة الدستورية (3) ...

إضاءات سياسية وقانونية على طريق الدولة الدستورية (3)

سليم يونس 2012/05/04

    بهذا المعنى يقف الدستور على أعلى مدارج القواعد القانونية ، فهو عبارة عن القواعد العليا في الدولة التي تسمو على جميع القواعد القانونية الأخرى ، بعد أن أصبح خضوع الدولة للقانون من المبادئ المُسلّم بها بعد أن وعت الشعوب دورها وذاتها ، ومن ثم لم يعد خضوع المحكومين في تصرفاتهم لحكم القانون وأحكامه هو المستهدف من الدستور ، بل يتحتم علاوة على ذلك أن تخضع السلطة الحاكمة في مزاولة سلطتها للقانون كذلك ، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى خضوع الحاكم والمحكوم للقانون على السواء .(د.محسن خليل مصدر سبق ذكره ، ص 25) ؛ وتلك هي قيمة الدولة ذات النظام الدستوري . ففي مثل هذه الدولة يكون الجميع تحت القانون حكاما ومحكومين ، ودون تعسف من أي طرف في مواجهة الآخر .


    هذا التحديد القسري لشكل وجوهر مثل هذه الدولة ، يفرض علينا أن نفرق بين دولة لها دستور ودولة دستورية ، فإذا ما افترضنا أن كل دولة لها دستور ،   خاصة في عصر الحريات والديمقراطية  ومهما كان نظام الحكم فيها ؛ فإن الفرق هنا  أن الدولة الدستورية :هي السلطة المقيدة لصالح الحرية الفردية ، وبهذا تصبح الدولة الدستورية هي الديمقراطية الدستورية . حيث تسود السلطة المقيدة لا السلطة المطلقة وتسود الحرية كذلك ، أي الدولة التي يسود فيها توازن السلطة والحرية ، بأن يسود فيها نظام الحكومة المقيدة غير المطلقة وتصان فيها حقوق الأفراد وحرياتهم.

والنظام الدستوري : هو إذاً ذلك النظام الذي تسود فيه السلطة المقيدة مع الاعتراف بحقوق الأفراد وحرياتهم بحيث تخضع السلطة والحرية لقواعد قانونية عليا يتعين الالتزام بها .( المصدر السابق ص42،41)
   إذا كان الدستور هو أيقونة كل الدول الديمقراطية كونه  يمثل شرط وجود النظام الديمقراطي الحر ، فإن أساليب نشأة الدساتير المدون لا بد أن تحكمها ضوابط قانونية حتى يتحقق الهدف من الدستور ، وما يهمنا هنا هو الأسلوب الديمقراطي في نشأة الدساتير ، حيث تسود إرادة الشعب وحده دون إرادة الحكام ، في ظل هذا المتغير العاصف الذي أحدثه الربيع العربي .
وهي الإرادة التي يمكن أن تتم عن طريق جمعية تأسيسية  بأن يقوم الشعب بانتخاب أعضاء هذه الهيئة  وتتمثل مهمة هذه الهيئة في وضع وإقرار الدستور ، وتسمى الهيئة في هذه الحالة ” نيابية  ” ، لأنها جاءت عن طريق الانتخاب ، كون الشعب هو من قام بانتخاب أعضائها .(المصدر السابق ص 85) . أما الحالة الأخرى فهي أن  يتم إصدار الدستور عن طريق الاستفتاء الدستوري  .
وفي إطار المسار الأول أي الجمعية التأسيسية ، فإن هناك شكلين من أشكال الجمعيات النيابية التأسيسية ، أولهما الجمعية النيابية التأسيسية المتخصصة ، حيث يقتصر اختصاص هذه الجمعية على إنشاء الدستور دون غيره ، ولا تقوم الجمعية
والحال هذه بأي دور يتعدى هذه المهمة المحددة ، فلا يكون لها أي اختصاص آخر سوى هذه الدور ، وهي بهذا التوصيف المحدد لا تقوم بالوظيفة التشريعية العادية أو بأية وظيفة أخرى ، لذلك أطلق على الجمعية في صورتها هذه ” الجمعية المخصصة “، لأنها تختص فقط بإنشاء الدستور ( المصدر السابق ص 86)
أما الشكل الآخر من الجمعيات التأسيسية ؛ فهو يتعلق بالجمعية التأسيسية النيابية العامة ، وهذا التوصيف يعني أن لا يقتصر اختصاص الجمعية على وضع الدستور فقط ، وإنما هو أشمل من ذلك ، فهذه الجمعية إلى جانب وظيفة وضع الدستور فإنها تقوم أيضا بوظيفة التشريع العادي في الدولة ، أي بالوظيفة التشريعية الممثلة في إقرار القوانين ؛ وقد تختص علاوة على ذلك بوظيفة تشكيل الوزارة ، أي باختيار الوزراء الذين يقومون بالوظيفة التنفيذية .( المصدر السابق ص 86)
وإذا ما تركنا الجمعية النيابية التأسيسية بصورتيها العامة والمخصصة ، فإن هناك طريق آخر لإصدار الدستور ، أي طريق الاستفتاء الدستوري ، هنا لا يصبح مهما من قام بوضع مشروع الدستور ، فقد تقوم به جمعية نيابية منتخبة أو لجنة فنية من الخبراء عن طريق التعيين ، لكن شرط نفاذه تتطلب موافقة الشعب عليه ، عن طريق الاستفتاء .
وعلى ذلك فإن مشروع الدستور الذي قامت بوضعه إحدى الهيئات الفنية ، يعرض على الشعب ، ولا يتخذ قوته القانونية إلا بموافقة الشعب عن طريق  الاستفتاء . والموافقة الشعبية هي التي تعطي مشروع الدستور  قوة النفاذ كقانون أساسي . وهذا الأسلوب ؛ يعتبر  أسمى أساليب الديمقراطية .( المصدر السابق ص87،88 )
وقياساً على تجارب الشعوب الأخرى وعلى ضوء كل ذلك ، قرر المجلس الانتقالي السعي نحو أعلى قدر من توفير الضمانات الديمقراطية في صياغة وإصدار دستور ليبيا  الجديدة بعد تلك السنوات العجاف ، لذلك جاء الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في أغسطس الماضي ؛ وهو يحدد ملامح ليبيا المستقبل ؛ فقد حاول المزج بين الشكلين السابقين في إعداد وإقرار الدستور ؛ حيث نص الإعلان الدستوري بأن ” يعتمد مشروع الدستور من قبل المؤتمر الوطني العام ، ويطرح للاستفتاء عليه بـ (نعم) أو (لا) ، خلال ثلاثين يوماً من تاريخ اعتماده من قبل المؤتمر، فإذا وافق الشعب الليبي على الدستور بأغلبية ثلثي المقترعين ، تصادق الهيئة التأسيسية على اعتباره دستور البلاد ، ويعتمده المؤتمر الوطني العام. إذا لم يوافق الشعب الليبي على الدستور ، تُكلف الهيئة التأسيسية بإعادة صياغته وطرحه مرة أخرى للاستفتاء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً.

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2014 المكتبة القانونية
برمجة : يعقوب رضا