الجمعة، 29 نوفمبر 2013

إضاءات سياسية وقانونية على طريق الدولة الدستورية 2....

إضاءات سياسية وقانونية على طريق الدولة الدستورية 2


سليمان يونس 26/ 4 / 2012م

  حتى نساهم في الإضاءة السياسية والقانونية على تلك المحددات  التي من شأنها أن تحقق أكبر قدر من المعرفة ، بحيث تصبح الخيارات السياسية واعية ، والطريق نحو المستقبل أكثر وضوحاً .
   هنا يصبح الحديث عن الحرية والديمقراطية هو بمثابة الإمساك بكلمة السر التي عن طريقها نستطيع  جسر الهوة بيننا وبين الآخرين ممن سبقونا بعقود ، وصولاً إلى الدولة الديمقراطية المتأملة .

   وبهذا المعنى نقول إذا كانت الحرية هي أحد أجنحة الدول ذات الأنظمة الدستورية ؛ فإن الديمقراطية هي جناحها الآخر ؛ ولأهميتها تلك يمكن القول إن الديمقراطية ليست مجرد عبارات يتم النص عليها في الدساتير أو يرددها الحكام ، وإنما هي ظاهرة من الظواهر السياسية التي تسعى إليها الشعوب وتبذل من أجلها الأرواح ، حتى يمكنها العيش في ظل نظام سياسي تستطيع فيه اختيار من يمثلها ويسهر على مصالحها .( د.محمد نصر مهنا ، في نظرية الدولة والنظم السياسية ، المكتب الجامعي الحديث ، الإسكندرية ،1999، ص 109) ، ومن ثم فإن الديمقراطية كنظام للحكم تهدف إلى تحقيق أمرين أولهما : أن تكون السيادة الفعلية بيد المواطنين . والثانية : تقرير الضمانات الكافية لحريات الأفراد وحقوقهم .( المصدر السابق ، ص 110).
   هذه السيادة الفعلية ، المشروطة بالضمانات الكافية لحريات الأفراد وحقوقهم وأيضاً واجباتهم ، هي بالقطع تتم على أساس أن الحقوق تقابلها الواجبات  ،والتي يجب أن يتضمنها الدستور ، الذي هو  بمثابة القناة التي تعبرها السلطة من قبل صاحبها – الدولة – إلى الممارسين لهذه السلطة وهم فئة الحكام.( (د. محسن خليل ، القانون الدستوري والدساتير المصرية ؛ الإسكندرية ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، 1996 ص42 ) ، والدستور بهذا التوصيف ؛هو “أب” القوانين ، وهو الوثيقة الدستورية التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها وتنظيم واختصاصات السلطات العامة ، وكذلك الحقوق والحريات الفردية .”( المصدر السابق ص 24).
   ومع أن الكثير من الشعوب قد دفعت أثماناً باهظة من أجل ( كتابة ) صياغة دستور ، بهدف إنشاء حياة دستورية تحدد السلطات وتنظم العلاقة بينها من جانب ، وتحفظ حقوق الأفراد والجماعات؛ وتنظم العلاقة بين السلطة والأفراد من جانب آخر ، ومع ذلك فإن هناك دولاً لا تأخذ بنظام الدستور المدوَّن  نظراً لعراقة التقاليد الديمقراطية التي هي أيضاً ثقافة وسلوك ، حيث لا يوجد لديها دستور مدوَّن مكتوب ، وإنما ينظم الحياة فيها نظام الدستور غير المدوَّن  الذي ترجع قواعده إلى العرف الدستوري الملزِم غير المكتوب ، مثال ذلك المملكة المتحدة ، حيث لا يوجد فيها  دستور مدون ؛ بل قواعد عُرفيه دستورية غير مدوَّنة  إلى جانب بعض القواعد الجزئية المدوَّنة في بعض القوانين  كوثيقة العهد العظيم ( Magna Charta) التي صدرت عام 1215 ؛ وقانون الحقوق وتوارث العرش؛  وقانون البرلمان ؛ (في نظرية الدولة والنظم السياسية ، د.محمد نصر مهنا ،المكتب الجامعي الحديث ، الاسكندرية ،1999 ص142)، ولعل السؤال هنا هل كان يمكن أن يكون مثل هذا الدستور العرفي في غير هذا البلد ؛ لولا تلك التقاليد الراسخة من علو مفهوم الحقوق والحريات والديمقراطية ؟.وبالطبع فإن تلك الديمقراطية الراسخة ؛ هي الهدف المنشود لكل الشعوب التي عانت من الاستبداد ، كالشعب الليبي الذي دفع ثمناً باهظاً من أجل الوصول إلى هدف الدولة الدستورية .
   ولأنه لا يمكن والحال هذه تصور وجود الديمقراطية دون دستور فاعل ، سواء كان هذا الدستور مدوَّناً أو غير مدوَّن ، تأسيساً على  أن شرط تحقق الديمقراطية رهن بوجود الدستور ونظام حكم يحكم بمقتضى الدستور ، فإن هذا الشرط يجعلنا نذهب نحو التمييز بين الدولة التي لها دستور  والدولة الدستورية .
   ومن أجل التمييز بين المفهومين  يمكن القول إن الدولة الدستورية  هي السلطة المقيدة لصالح الحرية الفردية ، وبهذا المعنى فإن الدولة الدستورية هي الديمقراطية الدستورية ؛ حيث تسود السلطة المقيَّدة لا السلطة المطلقة وتسود الحرية كذلك ، وبهذا يختلف مدلول دولة ذات دستور عن مدلول  دولة دستورية ، بينما يترادف المدلول بين الدولة الدستورية ؛ ودولة ذات نظام دستوري.
   ولعل من حسنات هذا العصر ؛ أي عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان أن معظم دول العالم باتت تسعى لارتداء ثوب الدستور  كمعيار على ديمقراطيتها ؛ ولذلك كان من الطبيعي والحال هذه   أن يكون لكل دولة دستور ينظم العلاقة المتبادلة بين أجهزة الحكم فيها ، ويحدد مجال الاختصاص الوظيفي المسند إلى كل واحدة من سلطاتها العامة ، تشريعية كانت أو تنفيذية أو قضائية ، كما أنه يبين حقوق المواطنين وواجباتهم ، في هذا  الدستور ( القانون الأساس ).
   وأهمية الدستور أو القانون الأساس هنا ؛ أنه هو الذي يرسي دعائم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين في إطار من الشرعية  القانونية  التي تُحاسب كل الدول ذات الأنظمة الديمقراطية عليها ، وذلك لأن الهدف الأصلي لأي دستور حكم هو المساعدة على توفير نظام متكامل من الضوابط القانونية التي بإمكانها أن توقف أي مظهر من مظاهر الممارسة الاستبدادية أو التحكمية للسلطة ، وتكون وسيلته في ذلك تحديد الإجراءات والتدابير القانونية والسياسية التي يمكن بواسطتها معاقبة أي انتهاك للمعاني الأساسية التي يحرص الدستور على تأكيدها،  ودفع الجميع حاكمين ومحكومين إلى احترامها والتقيد  بها  .( المصدر السابق ص141).
   وبالطبع كل ذلك في إطار نظام ديمقراطي يكون فيه الدستور سواء كان مدوَّناً أو عُرفياً هو القانون الناظم والضابط بصرامة للعلاقة بين السلطات الثلاث وبين السلطة الحاكمة والمحكومين بحيث يكون الجميع تحت القانون.


إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2014 المكتبة القانونية
برمجة : يعقوب رضا