إضاءات سياسية وقانونية على طريق الدولة الدستورية
سليمان يونس :
من أجل المساهمة في نفض الغبار عن العقل الفردي والجمعي في المجتمع الليبي الذي طال احتجاز تطوره ، في تلك الأفكار السياسية والقانونية المعلبة ، التي أدمن النظام السابق إنتاجها في محاولة منه لممارسة تغييب متعمد لوعي الناس؛ نحاول القيام بمقاربات سياسية وقانونية تتعلق باستحقاق انتخابات المؤتمر الوطني وما يتبعها من استحقاقات ، من أجل التأكيد على أهمية هذه المحطة التي ستؤسس لليبيا الجديدة والمستقبل ، وأهمية ذلك تعود إلى أنه لم يعد يفصلنا إلا أسابيع قليلة عن موعد استحقاق 19يونيو المقبل ، كأول انتخابات ديمقراطية في ليبيا منذ عقود ، وهو الموعد الذي من شأنه أن يدشن خطوات انتقال الشعب الليبي إلى رحاب الديمقراطية ، ومن أوسع أبوابها؛ إذا ما تم وعى شرط هذه اللحظة وأهميتها التاريخية.
وهذا الموعد المهم يأتي في إطار ترجمة جملة الأفكار التي حددها الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في مقدمته عندما نص على أنه ” استناداً إلى شرعية هذه الثورة، واستجابةً لرغبة الشَّعـب الليبي وتطلعـاته إلى تحقيق الديمقـراطية وإرسـاء مبادئ التَّعـددية السياسية ودولة المُؤسسات، وتطلعاً إلى مُجتمع ينعم بالاستقرار والطمـأنينة والعـدالة، وينهض بالعِلم والثقافة، ويحقق الرفاهيـة الرعاية الصِّحيـة، ويعمـل على تنشئة الأجيـال الصَّـاعدة على الرُّوح الإسلامية وحُب الخير والوطن.
وانطلاقاً نحو مُجتمع المواطنة والعدالة والمُساواة والازدهار والتقدم والرخاء، الذي لا مكان فيه للظلم والاستبداد والطغيان والاستغـلال وحُكم الفرد، وإلى أن يتم التصديق على الدستور الدائم في استفتاء شعبي عام”.
إذا كان الإعلان الدستوري قد وضع خارطة طريق نحو المسار الديمقراطي بالإعلان الدستوري ، فإن إصدار قانون الانتخابات شكل الخطوة العملية المهمّة والملموسة نحو ترجمة الإعلان الدستوري نحو الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية .
خاصة وأن الإعلان الدستوري ُقد نص على “حل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت في أول انعقاد للمؤتمر الوطني العام، ويتولى أكبر الأعضاء سناً رئاسة الجلسة، ويتولى أصغر الأعضاء سناً أعمال مقرر الجلسة. و يتم خلال هذه الجلسة انتخاب رئيس المؤتمر الوطني العام ونائبيه بالاقتراع السري المباشر بالأغلبية النسبية، وتستمر الحكومة الانتقالية في تسيير أعمالها إلى حين تشكيل حكومة مؤقتة.
يقوم المؤتمر الوطني العام في مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من أول اجتماع له بالآتي:
1. تعيين رئيس للوزراء، يقوم بدوره باقتراح أسماء أعضاء حكومته، علي أن يحظوا جميعاً بثقة المؤتمر الوطني العام قبل مباشرة أعمالهم كحكومة مؤقتة، وكذلك يقوم المؤتمر بتعيين رؤساء الوظائف السيادية.
2. اختيار هيئه تأسيسية لصياغة مشروع دستور للبلاد تسمى الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، على أن تنتهي من تقديم مشروع الدستور للمؤتمر في مدة لا تتجاوز ستين يوماً من انعقاد اجتماعها الأول”.
إذا كان مهما تناول بعض مواد قانون الانتخابات ، فإنه من الأهمية بمكان وقبل كل شيء ، أن يعرف ويعي المواطن حقوقه وواجباته أولا ؛ وأن يكون حرا من أي إكراه مباشر أو غير مباشر ، وسواء أكان ذلك الإكراه ماديا أم معنويا بحيث يؤثر على حرية خياراته السياسية والفكرية ، هذا إذا ما عرفنا أن الانتخابات هي وسيلة فحسب من أجل الإجابة على تلك الأسئلة الجوهرية وهي : كيف هي ليبيا التي يريد أن تكون والتي ستضع مشاركته في الانتخابات المقبلة الحجر الأساس في هذا البناء سواء في شكل الدولة والنظام السياسي والدستور ، والتداول السلمي للسلطة والأحزاب والقوى السياسية ، المختلفة حتى يكون وهو يحدد خياره الانتخابي على بينة ووعي بأهمية صوته وقيمته ، ولماذا كان هذا الخيار دون غيره؟ لأن مجموع خيارات المواطنين هي التي ستصنع دون شك مستقبل ليبيا الجديد .
ومن ثم فإنه لا بد هنا أن نؤكد أن شرط الحرية ؛ هو ابتداء يمثل كلمة السر التي من شأنها أن تفتح كل الأبواب العصية على المستقبل ، ومعيار الحرية هنا ، هي في قدرة المواطن الليبي على اختيار ما يريد ، وفي الوقت نفسه التمتع بنفس القدرة على عدم اختيار ما يريد . (دراسات في الفلسفة السياسية، د. أحمد جمال الظاهر ، دار الكندي للنشر والتوزيع ، عمان الطبعة الأولى ص12)
وعلى أساس من هذه الفرضية فإننا نعتقد أن الفعل الحر الواعي والمسؤول؛ هو الذي يصدر بالضرورة عن روية وتفكير وتدبر ، وهو من ثم لا يمكن أن يكون فعلا اعتباطيا ، وهو والحال هذه يتكيف مع موقف وطبيعة صاحبه ، إلى ذلك فإن الفعل الحر لا يكون حرا إلا بمقدار ما لصاحبه من علم مسبق بما سيقوم به . ( المصدر السابق ص 23) . لأن المعرفة من شأنها أن تفتح أكثر من نافذة للوعي وحسن الاختيار والأساس هو أن المقدمات هي التي تشكل النتائج.
ذلك أنه في غياب الحرية والديمقراطية وطغيان الأيديولوجيا المبتذلة خلال العقود الماضية ، التي عملت على نشر سياسة التسطيح إن لم يكن “الإفقار” المعرفي والسياسي والحقوقي ، الممنهجة ، يصبح التحدي الديمقراطي ، بأدواته وعناوينه المختلفة المتعارف عليها في العالم الديمقراطي ، كالانتخابات ، والدستور ، والأحزاب ، والتداول السلمي للسلطة ، وحرية الرأي والتعبير وقبول الآخر والحق في الاختلاف ، هو التحدي الأكثر أهمية لأن كيفية الإجابة على أسئلته المطروحة هو الكفيل بتحديد معالم المرحلة المقبلة من تاريخ ليبيا ، والتي ستبدأ مع محطة الانتخابات القادمة ، والتي نعتبرها الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل.

إرسال تعليق