الجمعة، 20 ديسمبر 2013

سلسلة دراسات في القواعد الدستورية والقانونية شكل دستور دولة القانون ...

سلسلة دراسات في القواعد الدستورية والقانونية
شكل دستور دولة القانون

بقلم : ياسين جبار الدليمي


شكل دستور دولة القانون :

   الدولة في جوهرها ما هي الا تنظيم قانوني وسياسي تتحاشى الوقوع في الفوضى من خلال وضعها القواعد والاسس لهذا التنظيم تمثلاً بركيزة هذه القواعد الدستور المنظم القانوني والسياسي باعتباره الركيزة الاساسية والركن الداعم والمستند عليه في قيام دولة القانون ولقيام دولة القانون لا بد من وجود مقومات وضمانات فالدولة بديهياً لا بد من توافر اركانها (الاقليم – الشعب - الحكومة – السيادة الكاملة في ممارسة اختصاصاها السياسي الداخلي – الخارجي دون ما منازع او وصاية او خضعوها لأي ابتزاز او خضوع – ثم الاعتراف بهذه الدولة كشخص من اشخاص القانون الدولي المخاطبة بأحكامه تمثلاً بالاعتبارية الدولية) .

   اما الدستور هو مجموعة القواعد المتعلقة بتنظيم ممارسة السلطة وتحديد اختصاصاتها وامتيازاتها وواجباتها وانتقالها مستهدية بفكرة سياسية – اجتماعية – اقتصادية – ثقافية معينة فالدستور قمة الهرم القانوني ووجوده هو حماية هذا النظام القانوني والسياسي .

انواع الدستور :

قسم الفقهاء الدساتير من حيث تدوينها ومن حيث تعديلها فنجد :
1- دساتير مدونة في وثيقة او عدة وثائق
2- دساتير غير مدونة فصارت عادة متعارف عليها بحكم الاعتياد والتقادم في الممارسة او الخضوع لها دون ان تكون مدونة كما في الدستور البريطاني .

اما من ناحية التعديل فنجدها في صورتين هما :
1- دستور مرن يتم تعديله بذات الاجراءات التي تعدل بها القوانين العادية.
2- دستور جامد وهذا يستلزم تعديله اجراءات خاصة اشد واعقد من تلك التي يتم بها تعديل القوانين العادية، فالعبرة بكيفية تعديل الدستور ولا يعتد بكيفية كتابته أو نشؤه او وضعه فالمعيار المعتمد في التفرقة بين الدستور المرن والجامد هو كيفية التعديل .

الدستور المرن : يتسم هذا الدستور بالمرونة في امكانية تعديله بالطريق التشريعي وبإيقاع نفس الاجراءات المتبعة في تعديل القوانين اي نفس السلطة التي تسن القوانين العادية وهنا يلاحظ وجوداً اختفاء كل تفرقة شكلية بين القواعد الدستورية المرنة والتشريعات العادية اخذاً نفس القيمة القانونية المقررة لهذه التشريعات والقوانين العادية فالاختلاف بينها هو الناحية الموضوعية بحكم اختلاف طبيعة الموضوعات التي يتناولها كل منها . فينتج من هذا ما يلي : 

1- تمتع السلطات التشريعية بسلطات واختصاصات واسعة في ظل الدستور المرن .
2- امتلاك السلطة التشريعية اجراء التعديلات في احكام ومواد الدستور بذات الشروط والاوضاع التي تعدل بعها القوانين العادية .
3- امتلاك السلطة التشريعية المقدرة في سن وتعديل التشريعات العادية . 
   ومع ما تقدم يبقى الدستور المرن ثابتا ومستقرا رغم سهولة تعديله طالما يتلاءم مع ظروف البيئة السياسية والاجتماعية فسهولة تعديل الدستور المرن تثير عيباً فيه لأنها تعطي للهيئات الحاكمة المناورة والتلاعب بتعديله حسب اهوائها وبما يتلاءم مع مصالحها الشخصية وبما تقتضي هذه المصالح السياسية منها والاجتماعية وبواعثها الحزبية . وهذا ما يفقد الدستور الهيبة والقداسة لعدم الثبات والاستقرار ...
الدستور الجامد : الدستور يوصف بالجمود اذا كانت اجراءات تعديله مغايرة للإجراءات التي يتم بها تعديل القوانين العادية وهذه المغايرة تكون باشتراط اجراءات معينة او بشروط خاصة اشد واصعب من تلك التي تعدل بها القوانين العادية وتختلف هذه الإجراءات والشروط المتطلبة لتعديل الدستور من دستور الى آخر. والجمود في الدستور يتصف بسريان هذا المجموع جميع نصوص الدستور بحيث لا يجوز تعديل نص من النصوص التي تتضمنها الوثيقة الدستورية الا عن طريق الإجراءات والاوضاع المشترط إتباعها لتعديل الدستور وصفة الجمود لا تمتد الى القواعد الدستورية التي تضمنتها قواعد قانونية لم توصف بانها قواعد دستورية فيتم تعديلها بقوانين اخرى تصدر بذات الاجراءات .

اجراءات التعديل : تتم اجراءات التعديل بطرق متعددة منها :
1- اجتماع المجلسين التشريعين في هيئة مؤتمر – في نظام المجلسين . 
2- اشتراط اغلبية خاصة من تلك الاغلبية التي يتم بها تعديل القوانين العادية .
3- الاستفتاء الشعبي على التعديل المقترح للدستور.

ولجمود الدستور أوصافاً منها :
1- الجمود النسبي وهو الجمود الذي يمكن فيه جواز تعديل الدستور .
2- الجمود المطلق وهو الجمود الذي يعني عدم جواز تعديل الدستور .

والجمود المطلق على انواع : 
أ‌- الجمود المطلق الجزئي وقد يرد الجمود المطلق على بعض مواد الدستور حيث يرد نصاً بعدم جواز تعديلها مطلقاً في اي وقت من الاوقات . 
ب‌-الجمود المطلق الكلي الدائم ويكون على جميع نصوص الوثيقة الدستورية بمعنى الحظر الدائم على الدستور وعليه اجماع فقهي على بطلانه وان النص لا قيمة له والجمود المطلق على جميع مواد الدستور لفترة زمنية محدده وهذا يطلق عليه الجمود المؤقت الحظر الزمني .
  فالجمود يتلائم مع طبيعة الدساتير باعتبارها اعلى مرتبة بين القواعد العادية اذا يجب الا تتساوى إجراءات تعديلها مع اجراءات تعديلها القوانين العادية بل يجب ان تكون اصعب واشد منها .
    فالدساتير الجامدة تحقق الثبات والقداسة وبمعنى السمو الشكلي والموضوعي وهذه مزية تتفرد بها الدساتير الجامدة مما يجعل له الهيبة والاحترام لدى الافراد والهيئة الحاكمة لكن هذا الجمود لا يعني الثبات الدائم دونما ان تصير وجودياً ابدياً مطلقاً يقبل التعديل لان الجمود المطلق يستحيل عملياً .
   ان الربط بين الدساتير المدونة وغير المدونة وبين الجمود والمدونة هو ان الدساتير المدونة لها صفة الجمود في ما تتصف الدساتير غير المدونة بانها مرنة .

نشأة الدستور : 
   إنَّ كل دستور هو وليد الظروف الموضوعية المحيطة به من حيث النشأة والمضمون الظروف الموضوعية تعود الى نظام الحكم الذي يتم وضع الدستور في ظله هذا من ناحية ولمدى التطورات الحضارية والسياسية التي وصل اليها شعب تلك الدولة من ناحية اخرى .
   ان اختلاف طرق اقامة الدساتير يرتبط بتطور فكرة السلطة وتحديد المالك الحقيقي لها . فالملوك والاباطرة وفق النظريات الثيوقراطية اعتبروا انفسهم ملاكاً للسلطة وبهذا انفردوا في دساتير على شكل منحة اوهبة الى الشعب ومع ظهور النظريات الفلسفية السياسية التي محورها فكرة التعاقد بدأ وعي الشعوب متجسداً في مقاومة الحكام الطغاة فاشترك الشعب في وضع الدستور بصورة التعاقد بين الحاكم والشعب وبظهور المبادئ الديمقراطية التي نادت بان يكون الشعب مصدر السلطات ولدت الدساتير التي تضعها الشعوب دون مشاركة الحاكم سواء كان ذلك بصورة مباشرة من خلال الاستفتاء الدستوري او بصورة غير مباشرة بواسطة الجمعية التأسيسية ونجد ان نشأة الدساتير قد تنشأ عن طريقين :
1- اساليب غير ديمقراطية .
2- اساليب ديمقراطية .

الاساليب غير الديمقراطية لنشأة الدساتير :
وتكون الدساتير المنشأة بهذا الاسلوب تسود فيها إرادة الحاكم مع إرادة الشعب واحياناً تشترك الادارتين في وضع الدستور فهو قد يصدر بارادة الحاكم المنفردة وتسمى بدساتير بارادة الملكية لانها في ظل حكم الملوك او قد يصدر الدستور وفق اتفاق ارادة الحاكم مع ارادة الشعب ( التعاقد ) ،والدساتير في ظل هذا الاسلوب هما : 
1- الدستور المنحة .
2- العقد . 

   الدستور المنحة وهو التجسيد الامثل للاسلوب غير الديمقراطي في نشوء الدساتير لان الانشاء هنا قد تم بارادة الحاكم المنفردة يتنازل بها الحاكم عن بعض سلطاته للشعب عبر المنحة .

التعاقد: تمثل هذه الطريقة في نشأة الدساتير مرحلة متطورة قياسا على طريقة المنحة لآن الحاكم لا يتفرد في وضع الدستور بل اتفاق ارادة الحاكم مع ارادة الشعب.
   وهذه الطريقة هي مرحلة انتقال بين الاسلوب الديمقراطي والاسلوب غير الديمقراطي في انشاء الدساتير وتثور هنا مسألة التعديلات على الدستور فهنا لابد من اشتراك الارادتين في التعديل وفقا لاجراءات التعديل المنصوص عليها في الدستور .

الاسلوب الديمقراطي في نشأة الدساتير:
1- طريقة الجمعية التأسيسية يعتبر هذا الاسلوب تطبيقا للديمقراطية النيابية كون الشعب يقوم بانتخاب جمعية نيابية تسمى اصطلاحاً بالسلطة التأسيسية وتتولى مهمة وضع الدستور .
   وبما ان الدستور هو المنشأ للسلطات العامة في الدولة ومنها السلطة التشريعية فلا يجوز ان تقوم هذه السلطة بوضع الدستور لانها سلطة منشأة ولهذا كان من الضروري ان تتولى وضع الدستور هيئة او جمعية خاصة اعلى من السلطة التشريعية تنتخب من الشعب بوكالة خاصة من اجل انجاز هذه المهمة فالجمعية التأسسية تتمتع بالسلطتين التأسيسية والتشريعية في فترة عملها مما يجعلها في مركز اقوى من السلطة التنفيذية .
2-الاستفتاء الدستوري وهي وسيلة لآقامة الدساتير تطبيقا للمبدأ الديمقراطي المتطلب مباشرة الشعب لسيادته بنفسه وهذا الاسلوب من اهم مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة (الاستفتاء الشعبي) المتنوع من حيث موضوعه وينقسم الى عدة انواع منها الاستفتاء الدستوري او التأسيسي الذي يتعلق بالدستور او بموضوع الدستور او الاستفتاء التشريعي او الاستفتاء السياسي الخاص بأمر من الامور الشعبية في الدولة يجعل الشعب مشتركا في عملية انشاء الدستور فالاستفتاء الدستوري على مشروع الدستور ضروري فلا يعتبر الدستور نافذاً دون موافقة الشعب عليه.

تعديل الدستور:
التفرقة بين الدساتير المرنة والجامدة تعتمد على كيفية تعديل الدستور ، وفكرة تعديل الدستور نشأت في الواقع مع ظهور الدساتير واستقرت بأستقرارها وتعديل الدستور يكون على نوعين :
1- التعديل الرسمي ويكون بأتباع الاجراءات المنصوص عليها في صلب الدستور والخاصة بتعديل احكامه.
2- التعديل العرفي ويتم ليس وفق قواعد الدستور .
3- الدساتير المرنة لا تتطلب اجراءات واشتراطات واوضاعاً خاصة لتعديلها على عكس الدساتير الجامدة . ومع ظهور الاجماع الفقهي المفضي الى بطلان التحريم المطلق الكلي لتعديل الدستور لتنافي هذا مع سنة التطور التي تقتضي مسايرة الدستاير للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد ولمعارضته لمبدأ سيادة الامة وحقها في ممارسة سلطتها في تعديل الدستور بالطريق القانوني كي لا تكون هناك ضرورة ملحة لآجراء هذا التعديل بالعنف او الثورة او الانقلاب .
السلطة المختصة بالتعديل: اختلف الفقهاء بشأن تحديد السلطة التي تملك الحق في تعديل الدستور فظهرت ثلاثة اتجاهات متباينه هي :
1- حق التعديل ملك لجميع افراد الشعب ولهم السلطة في ذلك .
2- حق التعديل لممثلي الشعب ولهم السلطة في ذلك .
3- الدستور هو الذي يحدد السلطة المختصة بالتعديل هي التي تحددها نصوص الدستور وفق الاجراءات والشكل التي اشترطها لإمكان تعديليه وهذا ما نادى به جان جاك روسو .

السلطة التأسيسية والسلطة المؤسسة:
الدستور لايوجد بصورة تلقائية وإنما يخلق ويقام . والسلطة التي تخلق او تقيم الدستور اصطلح على تسميتها بالسلطة المؤسِسة اما السلطات التي يخلقها الدستور فتسمى بالسلطات المؤسسة كالسلطة التشريعية والتنفيذية فالسلطة المؤسَسة تتميز عن السلطة الُمؤسِسة فالسلطة الصانعه للدستور والتي اقامت هذه السلطات تعلو عليهما فهذه السلطة الخالقة للدستور هي حرة في عملها وغير مقيدة بنص وتسمى اصطلاحا السلطة (المؤسِسة الاصلية) لانها تكون خارج كل نظام قانوني (الدستور او الدولة ) او متحررة من تنظيماته فالسلطة المؤسسة هي قبل كل شيء سلطة سياسية بحكم تطابق طبيعتها لنفسها اما انها مؤسسة فهي صفة ثانوية وان كانت منشأة لدستور (فهنا نجد الامتزاج او الوحدة بين السلطة السياسية والسلطة المؤسسية الاصلية فهي لا تثير مشاكل خاصة لانها ليست فكرة مستقلة. المشاكل الحقيقية هي مشاكل السلطة السياسية وقد تجسدت فكرة السلطة المؤسِسة اصلا في الفكر السياسي الفرنسي للفترة الثورية وظهرت في كتابات الدستور الفرنسي (1789-1791) كوسيلة يراد بها ضمان الحقوق الفردية للانسان وعليه فتنظيم السلطات العامة يهدف لتأمين الحقوق الفردية وظهرت النظرية الفردية في فصل السلطة المؤسَسة عن السلطات المؤسِسة بمرجعيتها الى مونتسيكيـــــو حول فصل السلطات وهذا قاد الى الرجوع الى سلطة او اولية عليا هي المصدر المشترك والوحيد لكل السلطات المؤسسة فلا بد من سلطة اوليه عليا توضع فوق اصحاب هذه السلطات وتقيم بينهم .

تقسـيم الاختصـاصات :
والتساؤل المثار هنا من هو صاحب السلطة المؤسسة ان السلطة المؤسسية تملك نفس الطبيعة التي تملكها السلطة السياسية والسلطة المؤسسة ليست شيء اخر غير السلطة السياسية فأذا تحرينا عن صاحب السلطة السياسية (القابض على السلطة المؤسسة) وعليه فالسلطة المؤسسة تعود لقابض القوة السياسية الراجحة في الفئة الاجتماعية وبالتالي الى القابض او القابضين الحقيقيين للسلطة السياسية دون اي اعتبار اخر ويتجسد جليا من خلال الشكليات والاجراءات المفروضة في الدستور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصـــادر :

1- د .احسان حميد المفرجي واخرون / النظرية العامة في القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق/ وزارة التعليم العالي – بغداد / الطبعة الثانية 2007.
2- د .عبد الغني بسيوني عبدالله / الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري / مطابع السعدي 2004 .
3- د . منذر الشاوي / القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية العراقية / ط2 / مطبعة شفيق / 1966.

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2014 المكتبة القانونية
برمجة : يعقوب رضا