نحو وعي دستوري، ونافذة علي الدستور الجديد (4)
د. فتح الله عمران المســوري :
أود في البداية أن أكرر القول بأن إلغاء دستور المملكة الليبية المتحدة، وتعطيل الدستور المؤقت لعام 1969 وبقاء ليبيا بدون دستور خلال حكم القذاقي قد تولد عنه نتائج سلبية لا حصر لها، ومن هذه النتائج غياب الوعي لدي الشعب الليبي بما يمثله الدستورمن أهمية في الأوضاع السياسة والمدنية للشعب، وفي الحياة العامة بشكل أوسع، وأصبحت وسائل الإعلام الليبية التي يسيطرعليها بالكامل النظام الحاكم، تخشي من الحديث عن الدستور، أو مجرد ذكر هذه الكلمة، لذا فإن التوعية بهذه الوثيقة الحقوقية الهامة يأتي في المقام الأول قبل الخوض في مبادئها ومحتوياتها المتعارف عليها، والهدف من نشر هذه الحلقات هو إعداد المواطن الليبي وتوعيته، ليكون جاهزا لمرحلة الاستفتاء، وسنبذل الجهد لإيصالها إلي عامة الشعب داخل ليبيا.
أساليب نشأة الدساتير وأساليب انتهائها:
ما هي الأساليب التي تنشأ بواسطتها الدساتير والأساليب التي بها تنتهي؟ هذا السؤال يطرح مبحثا مهما للغاية، ترسم الإجابة عليه لنا الطريق القويم المؤدي إلى وضع أسس وثيقة دستورية مدونة لليبيا بعد فناء حكم القذافي، كما أن هذا المبحث سيكون منصبا على الدساتير المكتوبة، ذلك أن الدساتير العرفية تولد في الغالب وتنمو نتيجة تكرر العادات والتقاليد والممارسات، ثم قيام الأفراد والجماعات والمؤسسات السياسية باحترام هذه العادات والتقاليد وطاعتها والاستجابة لها، مما يمنحها منزلة سامية تترسخ مع مرور الزمن وتتحول إلي قواعد قانونية.
سبق القول بأن الدستور كقاعدة عامة ينشأ عن طريق السلطة التي تملك وضعه، وهي السلطة التأسيسية التي تتوقف بدورها على طبيعة النظام السياسي ونوع الحكم الذي تولد في إطاره، ولذا فإن الأساليب التي تنشأ بها الدساتير تتباين وفقاً لتباين الأنظمة السياسية وطبيعة نظام الحكم في كل منها، ثم ما يعقبها من تطور تمشيا مع تطور الجماعة السياسية القائم فيها وعلى النظام السياسي المعين، والسلطة التأسيسية أو المؤسسة نوعين:
أ- سلطة مؤسسة محدثة: وهذه السلطة هي التي يكون منصوصاً عليها في الدستور السابق، وتقوم بمهامها وفقاً لأحكام الدستور النافذ، وحق هذه السلطة في تعديل الدستور لا يمنعها من أن تصدر دستوراً جديداً كاملاً.
ب- وسلطة مؤسسة أصلية: وتتواجد هذا السلطة عندما لا يوجد دستور أصلاً في حالة قيام دولة جديدة مثلا، أو في حالة سقوط الدستور القائم نتيجة ثورة أو انقلاب، أو في حالة إسقاط نظام لم يقم بوضع دستور، (كما هو الشأن في ثورة السابع عشر من فبراير التي تخوضها ليبيا الآن)، ونظراً لأن عمل السلطة الأولى ينحصر في تطبيق الإجراءات المشروطة للتعديل، وهو منظم في الدستور النافذ، ومن ثم فإن عمل تلك السلطة لا يثير أية صعوبات مبدئية، أما في الصورة الثانية فيجب الخوض في تحديد من يملك هذه السلطة من جهة، وتبرير قانونية عملها من جهة أخرى، وهذا سيكون محور الحديث في الجزء المتعلق بأساليب نهاية الدساتير عن طريق ( الثورات أو عن طريق الانقلابات العسكرية).
أساليب وضع الدساتير :
ليس هناك قواعد مسلم بها لوضع دستور دولة ما، إذ تختلف الطرق المتبعة باختلاف الدولة ودرجة النضج السياسي لدى الرأي العام فيها، وقد يلعب الأسلوب الذي يتبع في وضع الدستور دوراً هاما في كشف المذهب السياسي الذي ينطوي عليه، وقد أجمع فقهاء القانون الدستوري على أن الدساتير تنشأ بأساليب أربعة على التفصيل التالي:
أولا: أسلوب المنحة:
في المراحل الأولى من حياة الدول كان الحكام أياً كانوا ملوكاً أو غير ذلك ينفردون وحدهم بتملك وممارسة السلطة التغيير قد أجبرتهم بحكم الواقع على إتباع مثل هذا المنهج تفادياً للضغوط السياسية والاضطرابات الشعبية والثورات، فينزلون عند إرادة الشعب مكرهين، ولذا أطلق على، وفي مستهلها السلطة التأسيسية سواء من الناحية القانونية أو من الناحية الفعلية، فقد يحدث أن يخشى هؤلاء الحكام وفقاً لما يستشفونه من اتجاهات التغيير والتيارات السياسية السائدة في مجتمعاتهم من أن يسـتأثروا بالسلطة التأسيسية وينفردوا بها في المجتمع، ولذا قاموا بإصدار دساتير من جانبهم تتضمن في ظاهرها نصوصاً تحد من سلطاتهم وترسم قيوداً عليها لصالح شعوبهم، ليظهروا بمظهر المتفضل عليها، حتى وإن كانت تيارات هذا الأسلوب لنشأة الدستور أسلوب المنحة.
والجدير بالذكر هنا أن أسلوب نشأة الدساتير عن طريق المنحة قد عفي عليه الزمن واندثر تماما،ً لما فيه من عيوب، أولها أنه من حق صاحب السلطان إلغاء ما أصدره ومنحه من حق دستوري لشعبه لاعتقاده القوي في القول السائد بأن من يملك المنح يملك المنع، وثانيها ما ينطوي عليه أسلوب المنحة من تجريح وإهانة واستخفاف للشعوب المخاطبة بهذا الأسلوب، وقد أحيا القذافي هذا الأسلوب ولكن بشكل مختلف تماماً وبأدوات غير شرعية تجعل ما أراد إحياءه قد كتب له الممات العاجل، كما سيأتي شرحه وبيان أسبابه.
هذا ويعتبر من قبيل المنحة الدستور المؤقت الذي تصدره حكومة فعلية أو حكومة قانونية، فقد يحدث أن يصدر إعلاناً دستورياً مؤقتاً يسري تطبيقه إلى أن يتم وضع دستور دائم من قبل الهيئة المخولة بذلك، ثم إقراره من الشعب في استفتاء عام، وهدف ذلك هو عدم جحود مبدأ السيادة الشعبية وتحقيق نوع من الضبط لأداء وممارسة السلطة القائمة، ويعتبر هذا الترتيب جزء من ترتيبات مرحلة انتقالية، وبغض النظر عن شرعية قيام انقلاب سبتمبر 1969م، فقد أصدر مجلس قيادة الانقلاب بتاريخ 11 سبتمبر 1969م، إعلانا دستورياً مؤقتاً، نص في افتتاحيته على العمل به مؤقتاً حتى يتم إعداد دستور دائم يحدد أهداف " الثورة"، وقد نصت على ذلك أيضاً المادة 37 من الإعلان الدستوري المؤقت لعام 1969م،التي أوجبت سريانه حتى إصدار الدستور الدائم، ولكن لم يكتب ميلاد أي دستور دائم ينظم أساس الحكم وأدوات السلطة في ليبيا لأسباب سيأتي بيانها، ولم يستمر العمل بالدستور المؤقت.
ثانيا: أسلوب التعاقد:
يمثل هذا الأسلوب خطوة إلى الأمام في الطريق نحو الحرية والديمقراطية والتقدم الديمقراطي، وهذا الأسلوب أملته الاعتبارات الجديدة التي ظهرت في مرحلة تالية من نضال الشعوب من أجل الحقوق والحريات العامة، وتحطيم شوكة الحكم المطلق والوقوف ضد استبداد السلطة المطلقة ومحاربتها، والمتمثلة في استبداد الملوك والأمراء وأصحاب السلطان المطلق وقادة الانقلابات العسكرية، ووفقاً لأسلوب التعاقد كمنشأ للدستور، يظهر الشعب كعنصر مكافئ في عقد أو تعاقد ينتج نصا دستوريا، لأن المرجع الأساسي دائماً للتغيرات السياسية في الحكم لبلد ما هو الشعب، فهو المحرك والمناضل من أجل المناداة بحقوقه المقررة بغية التمتع بها في جو ديمقراطي حر، هذا التحرك على مستوى القاعدة الشعبية إذا ما صاحبه وعي سياسي لديها، غالباً ما يكون مدعاة لإذعان الحاكم -لسبب أو لآخر- لتيارات التغير واتجاهات الشعب لتمثيل حريته والمشاركة في حكم نفسه بنفسه، وإقرارً بالحاجة الماسة إلى التغيير، ويرى أصحاب هذا الرأي بوجود اتفاق بين الحاكم ورعيته على صدور الدستور بهذا الأسلوب التعاقدي، وبذلك تضمن الرعية عدم إقدام الحاكم على إلغائه أو تعديله، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الدستور ولد نتيجة لتلاقي إرادتين واتفاقهما في صورة عقد، والعقد – وفقاً للقاعدة الثابتة – شريعة المتعاقدين لا يجوز نقضه أو إلغاؤه أو تعديله إلا بإرادة طرفيه.
وتعد نشأة الدستور استناداً على هذا التصور السياسي المخالف للواقع أمراً غير مقبول، إذ يفترض أن كلا طرفي العقد قد منح فرصة لمناقشة شروطه، ولذا فإنه يملك حرية توقيعه أو رفض جزء منه أو رفضه بالكامل. ولذا يمكن أن يفسر قبول الحاكم للدستور الذي تجلت فيه إرادة الشعب، أنه ليس له -أي الحاكم- الخيار في قبوله أو عدم قبوله، وإنما وجب عليه الالتزام به وفق ما أعده ممثلي الشعب، واحترامه والعمل بموجبه، لقضاء ما تبقى له من سلطه ولضمان استمراره في السلطة.
ثالثا: أسلوب الجمعية التأسيسية:
تعد نشأة الدساتير وفقاً لهذا الأسلوب منطلقة من مبدأ السيادة الشعبية، كما ينظر إليه أيضاً على أنه من الأساليب الديمقراطية لخلق الدساتير، حيث يمثل مرحلة أكثر تقدماً في نضال الشعوب ضد الحاكم المطلق، ويصدر الدستور وفقاً لأسلوب الجمعية التأسيسية من مجلس أو جمعية تنتخب بصفة خاصة من الشعب ونيابة عنه، يعهد إليها بمهام وضع وإصدار دستور جديد يصبح واجب النفاذ بعد مرحلة الاستفتاء، ولذا فإن هذه الجمعية التأسيسية أو كما يطلق عليها البعض اسم الجمعية النيابية التأسيسية هي في الواقع تجمع كل السلطات في الدولة فهي سلطة تأسيسية تشريعية وتنفيذية، وهذا الأسلوب في وضع الدساتير هو الذي تم إتباعه في وضع معظم الدساتير التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وقد اعتمد رجال الثورة الفرنسية هذا الأسلوب الذي نشأ لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية عقب استقلالها من إنجلترا عام 1776م كما اتخذته أمريكا أسلوباً في وضع وإقرار دستورها الاتحادي.
رابعا: أسلوب الاستفتاء الشعبي أو الاستفتاء الدستوري :
ينشأ الدستور وفقاً لهذا الأسلوب من خلال الإرادة الشعبية الحرة، إذ يفترض أن يقوم الشعب أو يشترك بنفسه في مباشرة السلطة التأسيسية، الذي يحقق غرضين رئيسين هما:
أولاً : أخذ رأي الشعب في مسألة جوهرية يترتب عليها وضع الدستور.
ثانيا: أخذ رأي الشعب في إقرار أو عدم إقرار مشروع الدستور الذي قامت بوضعه جمعية تأسيسية نيابة عنه، فالدستور إذن لا يستكمل وجوده قانونا ويصبح نافذاً إلا إذا عرض على الشعب واقترن بتصديقه، علماً بأنه لايستلزم أن تقوم بوضع الدستور -المراد الاستفتاء عليه- جمعية تأسيسية نيابية، وإنما يفترض أن تكون هناك هيئة أو جمعية أو لجنة، أو شخصية، قد أسند إليها وقامت بالفعل بإعداد مشروع الدستور، كما حدث بالنسبة لبعض دساتير العالم، ولا يختلف الأمر إذا كانت هذه الجمعية أو اللجنة التحضيرية للدستور منتخبة أو معينة، إذ تقتصر مهمتها على مجرد تحضير الدستور فحسب، تمهيداً لعرضه على الشعب للاستفتاء عليه بالموافقة أو بالرفض، ويعتبر تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء هو الفيصل في بدء سريان الدستور والعمل بأحكامه.
من هذا العرض الموجز لأساليب نشأة الدساتير يمكننا التعليق عليها بالتالي:
- أن نشأة الدساتير قد تتباين وفقاً للظروف التي يوجد فيها كل دستور، وهذا بالتالي يعتمد على النظام السياسي القائم ونوع الحكم السائد في البلاد، ويجب الأخذ بعين الاعتبار عند البدء في وضع مسودة الدستور تجنب الاعتماد على أسلوب أو اصطلاحات معينة ومحددة، مثل أساليب العقد أو التعاقد أو المنحة، - ينبغي أن ينصب جهد اللجنة التأسيسية على دراسة حقائق نشأة الدستور في ضوء الظروف السياسية التي صاحبت نشأته في المجتمع، ليوافق رغبات ونوايا ثورة الشباب، ثورة السابع عشر من فبراير المجيدة، وطموحات الشعب الليبي الذي ظل محروما من تحقيق هذا المطلب طوال الأربعة عقود الماضية.
- الثابت فقهاً أن أسلوب الاستفتاء الشعبي لا يكون إلا بشأن موضوع محدد لإقراره، ومثاله الاستفتاء بشأن تغيير شكل نظام الحكم أو الاستفتاء على مشروع الدستور، أما الاستفتاء على شخص معين، فقد أجمع فقهاء القانون الدستوري على أنه يقع باطلا، وهو تصرف غير جائز قانوناً، كما حدث في مصر وبعض الأنظمة العربية حول الاستفتاء على شخص رئيس الجمهورية، إذ ينبغي قانوناً أن يكون الانتخاب المباشر من الشعب هو الأداة الشرعية لاختياره، حتى يكون حكمه للبلاد شرعياً غير مزيف، وتصرفاته القانونية المتعلقة بتسيير سياسة البلاد وحكمها مشروعا، وتتحقق شرعية انتخاب رئيس الجمهورية بطبيعة الأمر ظهور أكثر من مرشح للرئاسة حتى تتاح للشعب فرصة الاختيار، أما استحواذ شخص واحد على سلطة الحكم في البلاد والاستفتاء عليه بنعم أو لا، فهو من جهة يعد استفتاء غير مشروع كأداة لانتخاب رئيس الدولة، وبه أيضاً تنعدم إرادة الشعب في الاختيار الحر بالانتخاب.

إرسال تعليق